السيد محمد تقي المدرسي

53

في رحاب بيت الله

جاء بما هو أقوى وأفضل وأنجع ، ومن أبرز الأمثلة هو وجود الكعبة التي هي ( أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً ) . . إن الكعبة المشرفة محور تجمع البشرية ، وهي الأمان لأهل الأرض ، فحينما يريد مليار من الناس الصلاة فإنما يتوجهون إلى الكعبة ، وحينما يريدون أن يذبحوا ذبائحهم فإنهم يستقبلون الكعبة ، وحينما يتوسلون إلى الله خالقهم فهم يتوجهون إلى الكعبة . لقد شاءت الإرادة الإلهية أن تنزل الرحمة والمغفرة في هذا الوادي المقدس غير ذي الزرع ، وذلك حيث يجتمع الناس لأداء فريضة الحج المباركة ، بعد أن يتجردوا من ملابسهم التي تميزهم عن بعضهم ، وبعد أن حرّم عليهم التظاهر بكل ما من شأنه أن يكون زينة ؛ كحلق الرأس ، أو إصلاح المحاسن ، أو قص الأظفار . . وبعد أن حرم عليهم أيضاً الجدال والفسوق والصيد وإيذاء الهوام وتدمير النبات ، وذلك كله بمعنى تحويل الإنسان إلى كائن مسالم تماماً . وعندما يرقى الإنسان إلى مستوى السلام هذا ، فإنه يحمل به الاجتماع إلى الآخرين . وها أنا ذا أرى على مد البصر أناساً جاؤوا من كل أطراف الدنيا ، فجاء بعضهم من أواسط إفريقيا وبعضهم من أميركا اللاتينية ، وبعضهم من استراليا ، وبعضهم من الشرق الأوسط ، وبعضهم من أوروبا ، وبعضهم من العرب والعجم ، وبعضهم الكبير والصغير ، وبعضهم الغني والفقير . . كلهم قد اجتمعوا في هذا الوادي المقدس مجردين عن ثيابهم وزينتهم في صحراء المحشر منادين : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك " في كتلة متراصة ذائبة في إرادة الله التي شاءت إعادة الانسان إلى موقعه وواقعه الطبيعيين في خضم ممارسته وأدائه للمناسك المفروضة عليه ؛ المناسك التي من شأنها إحداث التحول العميق في روح الإنسان .